ابن بطوطة

426

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

ذلك اليوم وكان الشريف قد سبق الأمير بأميال وهو على حاله من ضرب الأطبال فلم يرعه إلا السلطان في موكبه فتقدم الشريف إلى السلطان فسلم عليه وسأله السلطان عن حاله ، وما الذي جاء به ، فأخبره ومضى السلطان حتى لقى الأمير كشلو خان ، وعاد إلى حضرته ولم يلتفت إلى الشريف ولا أمر له بإنزال ولا غيره . وكان الملك عازما على السّفر إلى مدينة دولة أباد ، وتسمى أيضا بالكتكة بفتح الكافين والتاء المعلوة التي بينهما ، وتسمى أيضا بالدّويجر « 12 » وهي على مسيرة أربعين يوما من مدينة دهلي حضرة الملك ، فلما شرع في السفر بعث إلى الشريف بخمسمائة دينار دراهم ، وصرفها من ذهب المغرب مائة وخمسة وعشرون دينارا ، وقال لرسوله اليه ، قل له : إن أراد الرجوع إلى بلاده فهذا زاده ، وان أراد السفر معنا فهي نفقته بالطريق ، وإن أراد الإقامة بالحضرة فهي نفقته حتى نرجع ، فاغتمّ الشريف لذلك وكان قصده أن يجزل له العطاء كما هي عادته مع أمثاله ، واختار السفر صحبة السلطان وتعلق بالوزير أحمد بن أياس المدعو بخواجه جهان ، وبذلك سمّاه الملك وبه يدعوه هو ، وبه يدعوه سائر الناس ، فإن من عادتهم أنه متى سمى الملك أحدا باسم مضاف إلى الملك من عماد ، أو ثقة ، أو قطب ، أو باسم مضاف إلى الجهان من صدر وغيره ، فبذلك يخاطبه الملك وجميع الناس ، ومن خاطبه بسوى ذلك لزمته العقوبة ، فتأكدت المودة بين الوزير والشريف فأحسن إليه ورفع قدره ولاطف الملك حتى حسن فيه رأيه ، وأمر له بقريتين من قرى دولة أباد ، وأمره أن تكون إقامته بها . وكان هذا الوزير من أهل الفضل والمروءة ومكارم الأخلاق والمحبة في الغرباء والاحسان إليهم ، وفعل الخير وإطعام وعمارة الزوايا ، فأقام الشريف يستغلّ القريتين ثمانية أعوام ، وحصّل من ذلك مالا عظيما ، ثم أراد الخروج فلم يمكنه فإنه من خدم السلطان لا يمكنه الخروج إلا بإذنه ، وهو محب في الغرباء فقليلا ما يأذن لأحدهم في السراح فأراد الفرار من طريق الساحل فردّ منه ، وقدم الحضرة ورغب من الوزير أن يحاول قضية انصرافه ، فتلطف الوزير في ذلك حتى أذن له السلطان في الخروج عن بلاد الهند وأعطاه عشرة آلاف دينار من دراهمهم . وصرفها من ذهب المغرب ألفان وخمسمائة دينار فأتى بها في بدرة فجعلها تحت فراشه ، ونام عليها لمحبته في الدنانير وفرحه بها وخوفه أن يتصل لأحد من أصحابه شيء منها فإنه كان بخيلا ، فأصابه وجع في جنبه بسبب رقاده عليها ، ولم يزل يتزايد به وهو آخذ في حركة سفره إلى أن توفى بعد عشرين يوما من وصول البدرة اليه ، وأوصى بذلك المال للشريف حسن

--> ( 12 ) ( Deoghir ) الحصن القديم المعروف في ( Deccan ) والذي سمّى دولةأباد من لدن السلطان محمد بن تغلق . . .